وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي: لا تتعين (1) قراءتها، بل لو قرأ بغيرها
أجزأه لقوله: { فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ } [المزمل: 20]، [كما
تقدم] (2) والله أعلم.
وقد روى ابن ماجه من حديث أبي سفيان السعدي، عن أبي نضرة،
عن أبي سعيد مرفوعًا: " لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد وسورة في فريضة أو
غيرها " (3) . وفي صحة هذا نظر، وموضح (4) تحرير هذا كله في كتاب الأحكام الكبير،
والله أعلم.
الوجه الثالث: هل تجب قراءة الفاتحة على المأموم؟ فيه ثلاثة أقوال
للعلماء:
أحدها: أنه تجب عليه قراءتها، كما تجب على إمامه؛ لعموم الأحاديث
المتقدمة.
والثاني: لا تجب على المأموم قراءة بالكلية لا الفاتحة ولا غيرها، لا
في الصلاة الجهرية ولا السرية، لما رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده، عن جابر بن
عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من كان له إمام فقراءة الإمام له
قراءة " ولكن في إسناده ضعف (5) . ورواه مالك، عن وهب بن كَيْسَان، عن جابر من
كلامه (6) . وقد روي هذا الحديث من طرق، ولا يصح شيء منها عن النبي صلى الله عليه
وسلم، والله أعلم.
والقول الثالث: أنه تجب القراءة على المأموم في السرية، لما
(7) تقدم، ولا تجب (8) في الجهرية لما ثبت في صحيح مسلم، عن أبي موسى الأشعري، قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنما جعل الإمام ليؤتم به؛ فإذا كبَّر
فكبّروا، وإذا قرأ فأنصتوا " وذكر بقية الحديث (9) .
وهكذا رواه أهل السنن؛ أبو
داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
قال: " وإذا قرأ فأنصتوا " (10) . وقد صححه مسلم بن الحجاج أيضا، فدل هذان الحديثان
على صحة هذا القول وهو قول قديم للشافعي، رحمه الله، ورواية عن الإمام أحمد بن حنبل
(11) .
__________
(1) رواه الطبراني في الأوسط برقم (3450) "مجمع البحرين"
والبيهقي في شعب الإيمان برقم (2582) من طريق عُبيس بن ميمون، عن موسى بن أنس به،
وقال البيهقي: "عُبيس بن ميمون منكر الحديث: وهذا لا يصح، وإنما روى عن ابن عمر من
قوله".
(2) ف جـ، ط، ب، أ، و: "الصحيح".
(3) في و: "يقول".
(4) صحيح
البخاري برقم (1747) وصحيح مسلم برقم (1296).
(5) في هـ: "مربد" وهو خطأ.
(6)
في جـ: "تأخرا في أصحابه".
(7) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (17/133) من
طريق علي بن قتيبة عن شعبة عن عقيل بن أبي طلحة به، وجاء من حديث أنس، رواه أبو
يعلى في مسنده (6/289) من طريق عمرو بن عاصم عن أبي العوام عن معمر عن الزهري عن
أنس رضي الله عنه.
(8) في ب: "سورة البقرة".
(9) جاء من حديث العباس، رواه
مسلم في صحيحه برقم (1775) من طريق الزهري، عن كثير بن عباس عن أبيه العباس رضي
الله عنه.
(10) في جـ، ط، ب، و: "حبيش".
(11) رواه ابن أبي شيبة في المصنف
(12/502) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه قال: "كان شعار أصحاب النبي صلى الله عليه
وسلم يوم مسيلمة: "يا أصحاب سورة البقرة".
وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي: لا تتعين (1) قراءتها، بل لو قرأ بغيرها
أجزأه لقوله: { فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ } [المزمل: 20]، [كما
تقدم] (2) والله أعلم.
وقد روى ابن ماجه من حديث أبي سفيان السعدي، عن أبي نضرة،
عن أبي سعيد مرفوعًا: " لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد وسورة في فريضة أو
غيرها " (3) . وفي صحة هذا نظر، وموضح (4) تحرير هذا كله في كتاب الأحكام الكبير،
والله أعلم.
الوجه الثالث: هل تجب قراءة الفاتحة على المأموم؟ فيه ثلاثة أقوال
للعلماء:
أحدها: أنه تجب عليه قراءتها، كما تجب على إمامه؛ لعموم الأحاديث
المتقدمة.
والثاني: لا تجب على المأموم قراءة بالكلية لا الفاتحة ولا غيرها، لا
في الصلاة الجهرية ولا السرية، لما رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده، عن جابر بن
عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من كان له إمام فقراءة الإمام له
قراءة " ولكن في إسناده ضعف (5) . ورواه مالك، عن وهب بن كَيْسَان، عن جابر من
كلامه (6) . وقد روي هذا الحديث من طرق، ولا يصح شيء منها عن النبي صلى الله عليه
وسلم، والله أعلم.
والقول الثالث: أنه تجب القراءة على المأموم في السرية، لما
(7) تقدم، ولا تجب (8) في الجهرية لما ثبت في صحيح مسلم، عن أبي موسى الأشعري، قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنما جعل الإمام ليؤتم به؛ فإذا كبَّر
فكبّروا، وإذا قرأ فأنصتوا " وذكر بقية الحديث (9) .
وهكذا رواه أهل السنن؛ أبو
داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
قال: " وإذا قرأ فأنصتوا " (10) . وقد صححه مسلم بن الحجاج أيضا، فدل هذان الحديثان
على صحة هذا القول وهو قول قديم للشافعي، رحمه الله، ورواية عن الإمام أحمد بن حنبل
(11) .
__________
(1) رواه الطبراني في الأوسط برقم (3450) "مجمع البحرين"
والبيهقي في شعب الإيمان برقم (2582) من طريق عُبيس بن ميمون، عن موسى بن أنس به،
وقال البيهقي: "عُبيس بن ميمون منكر الحديث: وهذا لا يصح، وإنما روى عن ابن عمر من
قوله".
(2) ف جـ، ط، ب، أ، و: "الصحيح".
(3) في و: "يقول".
(4) صحيح
البخاري برقم (1747) وصحيح مسلم برقم (1296).
(5) في هـ: "مربد" وهو خطأ.
(6)
في جـ: "تأخرا في أصحابه".
(7) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (17/133) من
طريق علي بن قتيبة عن شعبة عن عقيل بن أبي طلحة به، وجاء من حديث أنس، رواه أبو
يعلى في مسنده (6/289) من طريق عمرو بن عاصم عن أبي العوام عن معمر عن الزهري عن
أنس رضي الله عنه.
(8) في ب: "سورة البقرة".
(9) جاء من حديث العباس، رواه
مسلم في صحيحه برقم (1775) من طريق الزهري، عن كثير بن عباس عن أبيه العباس رضي
الله عنه.
(10) في جـ، ط، ب، و: "حبيش".
(11) رواه ابن أبي شيبة في المصنف
(12/502) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه قال: "كان شعار أصحاب النبي صلى الله عليه
وسلم يوم مسيلمة: "يا أصحاب سورة البقرة".
ومن لطائف الاستعاذة أنها طهارة للفم مما كان يتعاطاه من اللغو والرفث، وتطييب له
وتهيؤ لتلاوة كلام الله وهي استعانة بالله واعتراف له بالقدرة وللعبد بالضعف والعجز
عن مقاومة هذا العدو المبين الباطني الذي لا يقدر على منعه ودفعه إلا الله الذي
خلقه، ولا يقبل مصانعة، ولا يدارى بالإحسان، بخلاف العدو من نوع الإنسان كما دلت
على ذلك آيات القرآن في ثلاث من المثاني، وقال تعالى: { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ
عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا } [الإسراء: 65]، وقد نزلت
الملائكة لمقاتلة العدو البشري يوم بدر، ومن قتله العدو البشري كان شهيدًا، ومن
قتله العدو الباطني كان طرِيدًا، ومن غلبه العدو الظاهر كان مأجورًا، ومن قهره
العدو الباطن كان مفتونا أو موزورًا، ولما كان الشيطان يرى الإنسان من حيث لا يراه
استعاذ منه بالذي يراه ولا يراه الشيطان.
فصل: والاستعاذة هي الالتجاء إلى الله
والالتصاق بجنابه من شر كل ذي شر، والعياذة تكون لدفع الشر، واللياذ يكون لطلب جلب
الخير كما قال المتنبي:
يا من ألوذ به فيما أؤمله ... ومن أعوذ به ممن
أحاذره
لا يجبر الناس عظما أنت كاسره ... ولا يهيضون عظما أنت جابره (1)
فصل
معنى الاستعاذة
ومعنى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أي: أستجير بجناب الله من
الشيطان الرجيم أن يضرني في ديني أو دنياي، أو يصدني عن فعل ما أمرت به، أو يحثني
على فعل ما نهيت عنه؛ فإن الشيطان لا يكفُّه عن الإنسان إلا الله؛ ولهذا أمر الله
تعالى بمصانعة شيطان الإنس ومداراته (2) بإسداء الجميل إليه، ليرده طبعه عمَّا هو
فيه من الأذى، وأمر بالاستعاذة به من شيطان الجن لأنه لا يقبل رشوة ولا يؤثر فيه
جميل؛ لأنه شرير بالطبع ولا يكفه عنك إلا الذي خلقه، وهذا المعنى في ثلاث آيات من
القرآن لا أعلم لهن رابعة، قوله في الأعراف: { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ
وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين } [الأعراف: 199]، فهذا فيما يتعلق بمعاملة الأعداء
من البشر، ثم قال: { وَإِمَّا يَنزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نزغٌ فَاسْتَعِذْ
بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } [الأعراف: 200]، وقال تعالى في سورة " قد أفلح
المؤمنون " : { ادفع بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا
يَصِفُونَ * وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ
بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ } [المؤمنون: 96 -98]، وقال تعالى في سورة " حم السجدة
" : { وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ
أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ
* وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ
عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نزغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } [فصلت: 34 -36].
__________
(1) في ط:
"أنعم".
(2) في جـ: "أبو إياس".
والشيطان في
لغة العرب مشتق من شَطَن إذا بعد، فهو بعيد بطبعه عن طباع البشر، وبعيد بفسقه عن كل
خير، وقيل: مشتق من شاط لأنه مخلوق من نار، ومنهم من يقول: كلاهما صحيح في المعنى،
ولكن الأول أصح، وعليه يدل كلام العرب؛ قال أمية بن أبي الصلت في ذكر ما أوتي
سليمان، عليه (1) السلام:
أيما شاطِنٍ عصاه عكاه ... ثمّ يُلْقى في السِّجْن
والأغلال (2)
فقال: أيما شاطن، ولم يقل: أيما شائط.
وقال النابغة الذبياني
-وهو: زياد بن عمرو بن معاوية بن جابر بن ضباب بن يربوع بن مرة بن سعد بن
ذُبْيان-:
نأت بسعاد عنك نَوًى شَطُونُ ... فبانت والفؤادُ بها رَهِينُ
(3)
يقول: بعدت بها طريق بعيدة.
[وقال سيبويه: العرب تقول: تشيطن فلان إذا
فَعَل فِعْل الشيطان ولو كان من شاط لقالوا: تشيط] (4) .والشيطان (5) مشتق من البعد
على (6) الصحيح؛ ولهذا يسمون كل ما (7) تمرد من جني وإنسي وحيوان شيطانًا، قال الله
تعالى: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنْسِ
وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا }
[الأنعام: 112]. وفي مسند الإمام أحمد، عن أبي ذر، رضي الله عنه، قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: " يا أبا ذر، تعوّذ بالله من شياطين الإنس والجن "، فقلت:
أو للإنس شياطين؟ قال: " نعم " (8) .وفي صحيح مسلم عن أبي ذر -أيضًا-قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: " يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود " . فقلت: يا
رسول الله، ما بال الكلب الأسود من الأحمر والأصفر (9) فقال: " الكلب الأسود شيطان
" (10) .وقال ابن وهب: أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أن عمر بن
الخطاب، رضي الله عنه، ركب برْذونًا، فجعل يتبخْتر به، فجعل لا يضربه فلا يزداد إلا
تبخترًا، فنزل عنه، وقال: ما حملتموني (11) إلا على شيطان، ما نزلت عنه حتى أنكرت
نفسي. إسناده (12) صحيح (13) .
__________
(1) في جـ، ط: "من يهود".
(2)
زيادة من ب.
(3) في جـ، ط: "أجاءك".
(4) في جـ: "ما نعلمهم".
(5) في أ:
"فقال".
(6) في جـ: "تسعون"، وفي ط، ب، أ، و: "ستون".
(7) في جـ: "إحدى
وستون".
(8) في جـ، أ، و: "هل مع هذا غيره يا محمد".
(9) في جـ، ط، ب، و:
"ماذا".
(10) في جـ، ط، ب: "هذه".
(11) في جـ: "أبو إياس".
(12) في جـ:
"إحدى وستون".
(13) في جـ: "أربع وثلاثين سنة".
والرّجيم: فعيل
بمعنى مفعول، أي: إنه مرجوم مطرود عن الخير كله، كما قال تعالى: { وَلَقَدْ
زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا
لِلشَّيَاطِينِ } [الملك: 5]، وقال تعالى: { إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ
الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ * لا
يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإ الأعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا
وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ * إِلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ
ثَاقِبٌ } [الصافات: 6 -10]، وقال تعالى: { وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ
بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ
رَجِيمٍ * إِلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ } [الحجر:
16 -18]، إلى غير ذلك من الآيات.
[وقيل: رجيم بمعنى راجم؛ لأنه يرجم الناس
بالوساوس والربائث والأول أشهر] (1) .
{ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(1) } .
افتتح بها الصحابةُ كتاب الله، واتّفق العلماء على أنها بعض آية من
سورَة النمل، ثمّ اختلفوا: هل هي آية مستقلة في أوّل كل سورة، أو من أول كل سورة
كتبت في أوّلها، أو أنها بعض آية من أوّل كل سورة، أو أنها كذلك في الفاتحة دون
غيرها، أو أنها [إنما] (2) كتبت للفصل، لا أنها (3) آية؟ على أقوال للعلماء سلفًا
وخلفًا، وذلك مبسوط في غير هذا الموضع.
وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح، عن ابن
عباس، رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يعرف فصل السورة حتى
ينزل عليه { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } وأخرجه الحاكم أبو عبد الله
النيسابوري في مستدركه أيضًا (4) ، وروي مرسلا عن سعيد بن جُبَير. وفي صحيح ابن
خزيمة، عن أم سلمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ البسملة في أول الفاتحة في
الصلاة وعدّها آية، لكنه من رواية عمر بن هارون البلخي، وفيه ضعف، عن ابن جُرَيْج،
عن ابن أبي مُلَيْكَة، عنها (5) .وروى له الدارقطني متابعًا، عن أبي هريرة مرفوعًا
(6) . وروى مثله عن علي وابن عباس وغيرهما (7) .وممن حكي عنه أنها آية من كل سورة
إلا براءة: ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وأبو هريرة، وعليّ. ومن التابعين:
عطاء، وطاوس، وسعيد بن جبير، ومكحول، والزهري، وبه يقول عبد الله بن المبارك،
والشافعي، وأحمد بن حنبل، في رواية عنه، وإسحاق بن رَاهوَيه، وأبو عبيد القاسم بن
سلام، رحمهم الله.
__________
(1) ورواه البخاري في التاريخ الكبير (2/208)
والطبري في تفسيره (1/217) من طريق ابن إسحاق، وأطنب العلامة أحمد شاكر في الكلام
عليه في حاشية تفسير الطبري.
(2) في و: "أطم وأعظم"، وفي أ: "أعظم
وأعظم".
(3) في جـ،:"أغرب".
(4) في جـ، ط: "ناس".
(5) هو كعب بن مالك،
والبيت في اللسان، مادة "ريب".
(6) زيادة من جـ، ط، أ، و.
(7) في جـ، ط، ب:
"منزل".
ومن لطائف الاستعاذة أنها طهارة للفم مما كان يتعاطاه من اللغو والرفث، وتطييب له
وتهيؤ لتلاوة كلام الله وهي استعانة بالله واعتراف له بالقدرة وللعبد بالضعف والعجز
عن مقاومة هذا العدو المبين الباطني الذي لا يقدر على منعه ودفعه إلا الله الذي
خلقه، ولا يقبل مصانعة، ولا يدارى بالإحسان، بخلاف العدو من نوع الإنسان كما دلت
على ذلك آيات القرآن في ثلاث من المثاني، وقال تعالى: { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ
عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا } [الإسراء: 65]، وقد نزلت
الملائكة لمقاتلة العدو البشري يوم بدر، ومن قتله العدو البشري كان شهيدًا، ومن
قتله العدو الباطني كان طرِيدًا، ومن غلبه العدو الظاهر كان مأجورًا، ومن قهره
العدو الباطن كان مفتونا أو موزورًا، ولما كان الشيطان يرى الإنسان من حيث لا يراه
استعاذ منه بالذي يراه ولا يراه الشيطان.
فصل: والاستعاذة هي الالتجاء إلى الله
والالتصاق بجنابه من شر كل ذي شر، والعياذة تكون لدفع الشر، واللياذ يكون لطلب جلب
الخير كما قال المتنبي:
يا من ألوذ به فيما أؤمله ... ومن أعوذ به ممن
أحاذره
لا يجبر الناس عظما أنت كاسره ... ولا يهيضون عظما أنت جابره (1)
فصل
معنى الاستعاذة
ومعنى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أي: أستجير بجناب الله من
الشيطان الرجيم أن يضرني في ديني أو دنياي، أو يصدني عن فعل ما أمرت به، أو يحثني
على فعل ما نهيت عنه؛ فإن الشيطان لا يكفُّه عن الإنسان إلا الله؛ ولهذا أمر الله
تعالى بمصانعة شيطان الإنس ومداراته (2) بإسداء الجميل إليه، ليرده طبعه عمَّا هو
فيه من الأذى، وأمر بالاستعاذة به من شيطان الجن لأنه لا يقبل رشوة ولا يؤثر فيه
جميل؛ لأنه شرير بالطبع ولا يكفه عنك إلا الذي خلقه، وهذا المعنى في ثلاث آيات من
القرآن لا أعلم لهن رابعة، قوله في الأعراف: { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ
وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين } [الأعراف: 199]، فهذا فيما يتعلق بمعاملة الأعداء
من البشر، ثم قال: { وَإِمَّا يَنزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نزغٌ فَاسْتَعِذْ
بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } [الأعراف: 200]، وقال تعالى في سورة " قد أفلح
المؤمنون " : { ادفع بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا
يَصِفُونَ * وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ
بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ } [المؤمنون: 96 -98]، وقال تعالى في سورة " حم السجدة
" : { وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ
أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ
* وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ
عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نزغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } [فصلت: 34 -36].
__________
(1) في ط:
"أنعم".
(2) في جـ: "أبو إياس".
والشيطان في
لغة العرب مشتق من شَطَن إذا بعد، فهو بعيد بطبعه عن طباع البشر، وبعيد بفسقه عن كل
خير، وقيل: مشتق من شاط لأنه مخلوق من نار، ومنهم من يقول: كلاهما صحيح في المعنى،
ولكن الأول أصح، وعليه يدل كلام العرب؛ قال أمية بن أبي الصلت في ذكر ما أوتي
سليمان، عليه (1) السلام:
أيما شاطِنٍ عصاه عكاه ... ثمّ يُلْقى في السِّجْن
والأغلال (2)
فقال: أيما شاطن، ولم يقل: أيما شائط.
وقال النابغة الذبياني
-وهو: زياد بن عمرو بن معاوية بن جابر بن ضباب بن يربوع بن مرة بن سعد بن
ذُبْيان-:
نأت بسعاد عنك نَوًى شَطُونُ ... فبانت والفؤادُ بها رَهِينُ
(3)
يقول: بعدت بها طريق بعيدة.
[وقال سيبويه: العرب تقول: تشيطن فلان إذا
فَعَل فِعْل الشيطان ولو كان من شاط لقالوا: تشيط] (4) .والشيطان (5) مشتق من البعد
على (6) الصحيح؛ ولهذا يسمون كل ما (7) تمرد من جني وإنسي وحيوان شيطانًا، قال الله
تعالى: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنْسِ
وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا }
[الأنعام: 112]. وفي مسند الإمام أحمد، عن أبي ذر، رضي الله عنه، قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: " يا أبا ذر، تعوّذ بالله من شياطين الإنس والجن "، فقلت:
أو للإنس شياطين؟ قال: " نعم " (8) .وفي صحيح مسلم عن أبي ذر -أيضًا-قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: " يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود " . فقلت: يا
رسول الله، ما بال الكلب الأسود من الأحمر والأصفر (9) فقال: " الكلب الأسود شيطان
" (10) .وقال ابن وهب: أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أن عمر بن
الخطاب، رضي الله عنه، ركب برْذونًا، فجعل يتبخْتر به، فجعل لا يضربه فلا يزداد إلا
تبخترًا، فنزل عنه، وقال: ما حملتموني (11) إلا على شيطان، ما نزلت عنه حتى أنكرت
نفسي. إسناده (12) صحيح (13) .
__________
(1) في جـ، ط: "من يهود".
(2)
زيادة من ب.
(3) في جـ، ط: "أجاءك".
(4) في جـ: "ما نعلمهم".
(5) في أ:
"فقال".
(6) في جـ: "تسعون"، وفي ط، ب، أ، و: "ستون".
(7) في جـ: "إحدى
وستون".
(8) في جـ، أ، و: "هل مع هذا غيره يا محمد".
(9) في جـ، ط، ب، و:
"ماذا".
(10) في جـ، ط، ب: "هذه".
(11) في جـ: "أبو إياس".
(12) في جـ:
"إحدى وستون".
(13) في جـ: "أربع وثلاثين سنة".
والرّجيم: فعيل
بمعنى مفعول، أي: إنه مرجوم مطرود عن الخير كله، كما قال تعالى: { وَلَقَدْ
زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا
لِلشَّيَاطِينِ } [الملك: 5]، وقال تعالى: { إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ
الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ * لا
يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإ الأعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا
وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ * إِلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ
ثَاقِبٌ } [الصافات: 6 -10]، وقال تعالى: { وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ
بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ
رَجِيمٍ * إِلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ } [الحجر:
16 -18]، إلى غير ذلك من الآيات.
[وقيل: رجيم بمعنى راجم؛ لأنه يرجم الناس
بالوساوس والربائث والأول أشهر] (1) .
{ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(1) } .
افتتح بها الصحابةُ كتاب الله، واتّفق العلماء على أنها بعض آية من
سورَة النمل، ثمّ اختلفوا: هل هي آية مستقلة في أوّل كل سورة، أو من أول كل سورة
كتبت في أوّلها، أو أنها بعض آية من أوّل كل سورة، أو أنها كذلك في الفاتحة دون
غيرها، أو أنها [إنما] (2) كتبت للفصل، لا أنها (3) آية؟ على أقوال للعلماء سلفًا
وخلفًا، وذلك مبسوط في غير هذا الموضع.
وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح، عن ابن
عباس، رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يعرف فصل السورة حتى
ينزل عليه { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } وأخرجه الحاكم أبو عبد الله
النيسابوري في مستدركه أيضًا (4) ، وروي مرسلا عن سعيد بن جُبَير. وفي صحيح ابن
خزيمة، عن أم سلمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ البسملة في أول الفاتحة في
الصلاة وعدّها آية، لكنه من رواية عمر بن هارون البلخي، وفيه ضعف، عن ابن جُرَيْج،
عن ابن أبي مُلَيْكَة، عنها (5) .وروى له الدارقطني متابعًا، عن أبي هريرة مرفوعًا
(6) . وروى مثله عن علي وابن عباس وغيرهما (7) .وممن حكي عنه أنها آية من كل سورة
إلا براءة: ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وأبو هريرة، وعليّ. ومن التابعين:
عطاء، وطاوس، وسعيد بن جبير، ومكحول، والزهري، وبه يقول عبد الله بن المبارك،
والشافعي، وأحمد بن حنبل، في رواية عنه، وإسحاق بن رَاهوَيه، وأبو عبيد القاسم بن
سلام، رحمهم الله.
__________
(1) ورواه البخاري في التاريخ الكبير (2/208)
والطبري في تفسيره (1/217) من طريق ابن إسحاق، وأطنب العلامة أحمد شاكر في الكلام
عليه في حاشية تفسير الطبري.
(2) في و: "أطم وأعظم"، وفي أ: "أعظم
وأعظم".
(3) في جـ،:"أغرب".
(4) في جـ، ط: "ناس".
(5) هو كعب بن مالك،
والبيت في اللسان، مادة "ريب".
(6) زيادة من جـ، ط، أ، و.
(7) في جـ، ط، ب:
"منزل".

وقال الإمام
أحمد: حدثنا إسحاق بن يوسف، حدثنا شريك، عن يعلى بن عطاء، عن رجل حدثه: أنه سمع أبا
أمامة الباهلي يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة كبَّر
ثلاثًا، ثم قال: " لا إله إلا الله " ثلاث مرات، وسبحان الله وبحمده "، ثلاث مرات.
ثم قال: " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه (1) .وقال الحافظ أبو
يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي في مسنده: حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان
الكوفي، حدثنا علي بن هشام بن البريد عن يزيد بن زياد، عن عبد الملك بن عمير، عن
عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي بن كعب، قال: تلاحى رجلان عند النبي صلى الله عليه
وسلم، فَتَمزّع أنف أحدهما غضبا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني لأعلم
شيئا لو قاله ذهب عنه ما يجد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " .
وكذا رواه
النسائي في اليوم والليلة، عن يوسف بن عيسى المروزي، عن الفضل بن موسى، عن يزيد بن
زياد بن أبي الجعد (2) ، به (3) .
وقد روى هذا الحديث أحمد بن حنبل، عن أبي
سعيد، عن زائدة، وأبو داود عن يوسف بن موسى، عن جرير بن عبد الحميد، والترمذي،
والنسائي في اليوم والليلة عن بُنْدَار، عن ابن مهدي، عن الثوري، والنسائي
-أيضًا-من حديث زائدة بن قدامة، ثلاثتهم عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن
أبي ليلى، عن معاذ بن جبل، قال: استَب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم، فغضب
أحدهما غضبًا شديدًا حتى خُيّل إليّ أن أحدهما يَتَمزّع أنفه من شدة غضبه، فقال
النبي صلى الله عليه وسلم: " إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد من الغضب "
قال: ما هي يا رسول الله؟ قال: " يقول: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم " .
قال: فجعل معاذ يأمره، فأبى [ومحك] (4) ، وجعل يزداد غضبًا. وهذا لفظ أبي داود (5)
.وقال الترمذي: مرسل، يعني أن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يلق معاذ بن جبل، فإنه مات
قبل سنة عشرين.
قلت: وقد يكون عبد الرحمن بن أبي ليلى سمعه من أبيّ بن كعب، كما
تقدم وبلغه عن معاذ بن جبل، فإن هذه القصة شهدها غير واحد من الصحابة، رضي الله
عنهم. قال البخاري: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن عدي بن
ثابت، قال: قال سليمان بن صُرَد: استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم، ونحن
عنده جلوس، فأحدهما يسب صاحبه مغضَبًا قد احمر وجهه، فقال النبي صلى الله عليه
وسلم: " إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد،
__________
(1) البيت في
تفسير الطبري (1/213).
(2) تفسير القرطبي (1/156) والحديث رواه ابن ماجة في
السنن برقم (2620) من طريق يزيد بن أبي زياد، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة رضي
الله عنه به مرفوعا، وقال البوصيري في الزوائد (2/334): "هذا إسناد ضعيف، يزيد بن
أبي زياد الدمشقي قال فيه البخاري وأبو حاتم: منكر الحديث" .
تنبيه: وقع في بعض
النسخ المساعدة: قال سفيان، بدل شقيق، والذي في تفسير القرطبي موافق لما هاهنا، وقد
روي هذا القول عن سفيان الأصبهاني في الترغيب والترهيب برقم (2329).
(3) زيادة
من جـ، ط، أ، و.
(4) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
(5) في ب، و: "لخص"، وفي جـ،
ط: "يخص".

وقال الإمام
أحمد: حدثنا إسحاق بن يوسف، حدثنا شريك، عن يعلى بن عطاء، عن رجل حدثه: أنه سمع أبا
أمامة الباهلي يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة كبَّر
ثلاثًا، ثم قال: " لا إله إلا الله " ثلاث مرات، وسبحان الله وبحمده "، ثلاث مرات.
ثم قال: " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه (1) .وقال الحافظ أبو
يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي في مسنده: حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان
الكوفي، حدثنا علي بن هشام بن البريد عن يزيد بن زياد، عن عبد الملك بن عمير، عن
عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي بن كعب، قال: تلاحى رجلان عند النبي صلى الله عليه
وسلم، فَتَمزّع أنف أحدهما غضبا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني لأعلم
شيئا لو قاله ذهب عنه ما يجد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " .
وكذا رواه
النسائي في اليوم والليلة، عن يوسف بن عيسى المروزي، عن الفضل بن موسى، عن يزيد بن
زياد بن أبي الجعد (2) ، به (3) .
وقد روى هذا الحديث أحمد بن حنبل، عن أبي
سعيد، عن زائدة، وأبو داود عن يوسف بن موسى، عن جرير بن عبد الحميد، والترمذي،
والنسائي في اليوم والليلة عن بُنْدَار، عن ابن مهدي، عن الثوري، والنسائي
-أيضًا-من حديث زائدة بن قدامة، ثلاثتهم عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن
أبي ليلى، عن معاذ بن جبل، قال: استَب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم، فغضب
أحدهما غضبًا شديدًا حتى خُيّل إليّ أن أحدهما يَتَمزّع أنفه من شدة غضبه، فقال
النبي صلى الله عليه وسلم: " إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد من الغضب "
قال: ما هي يا رسول الله؟ قال: " يقول: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم " .
قال: فجعل معاذ يأمره، فأبى [ومحك] (4) ، وجعل يزداد غضبًا. وهذا لفظ أبي داود (5)
.وقال الترمذي: مرسل، يعني أن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يلق معاذ بن جبل، فإنه مات
قبل سنة عشرين.
قلت: وقد يكون عبد الرحمن بن أبي ليلى سمعه من أبيّ بن كعب، كما
تقدم وبلغه عن معاذ بن جبل، فإن هذه القصة شهدها غير واحد من الصحابة، رضي الله
عنهم. قال البخاري: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن عدي بن
ثابت، قال: قال سليمان بن صُرَد: استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم، ونحن
عنده جلوس، فأحدهما يسب صاحبه مغضَبًا قد احمر وجهه، فقال النبي صلى الله عليه
وسلم: " إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد،
__________
(1) البيت في
تفسير الطبري (1/213).
(2) تفسير القرطبي (1/156) والحديث رواه ابن ماجة في
السنن برقم (2620) من طريق يزيد بن أبي زياد، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة رضي
الله عنه به مرفوعا، وقال البوصيري في الزوائد (2/334): "هذا إسناد ضعيف، يزيد بن
أبي زياد الدمشقي قال فيه البخاري وأبو حاتم: منكر الحديث" .
تنبيه: وقع في بعض
النسخ المساعدة: قال سفيان، بدل شقيق، والذي في تفسير القرطبي موافق لما هاهنا، وقد
روي هذا القول عن سفيان الأصبهاني في الترغيب والترهيب برقم (2329).
(3) زيادة
من جـ، ط، أ، و.
(4) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
(5) في ب، و: "لخص"، وفي جـ،
ط: "يخص".